ورد مسموم… أو السينما في مكان مفترس

يقال إن العرض السينمائي ينقل المشاهد من مكانه الثابت داخل قاعة صامتة مظلمة إلى أماكن متقاطعة ومتناثرة عبر العالم، فيظهر وعيًا جديدًا بالمكان والزمان في ظل هذا الثبات المتحرك. بهذا المعنى يُعتبر مهرجان القاهرة السينمائي القادم معرضًا دوليًّا لأماكن  من كل العالم، ومثل هذه المعارض المكانية الزمانية، تعرض أماكن لم يسبق مشاهدتها أو تصويرها من قبل. ولأول مرة يعرض المهرجان مكانًا مصريًا قاهريًّا غير مسبوق، ربما بسبب هامشيته أو وحشيته أو رائحته غاب عن شاشة السينما إلى الآن؛ هذا المكان هو حي المدابغ في مصر القديمة، الذي يصوره فيلم “ورد مسموم”

يتصور القارئ أنه يعرف هذا الحي جيدًا – فربما مر بالطريق إلى السيدة عائشة أو كورنيش النيل بموازاة سور مجرى العيون، وربما سكن بجانبه في حي الفسطاط أو عين الصيرة، وربما ذهب لاقتناء بعض اللحوم أو الجلود أو الأواني الفخارية من هناك، وربما رأى بعينيه الحواري الترابية الغارقة في مخلفات الدباغة والبراميل الخشبية المتشبعة بالأحماض والغلايات الصفيحية التي تبثق البخار داخل الجحيم الصناعي الخطير في المدابغ. ولكنه قطعًا لم ير المكان الذي صوّره “ورد مسموم” من قبل.

تدعي الكثير من الأفلام أنها تعرض مناظر لم يسبق رؤيتها، وكأن المتفرج يذهب لمشاهدة تلك المناظر الواقعية في عرض حصري غير مسبوق. حيث تتحول المشاهدة إلى فعل استهلاكي يبدأ بكاميرا موضوعية عديمة الإنسانية وبعيدة عن الأحداث، وينتهي عند هضم الواقع في رأس المتفرج الفارغة. هذه الصيغة الاستهلاكية للواقع واضحة في أفلام الأكشن العالمية مثل “جيمس بوند“، والأفلام الوثائقية التي تنتجها قنوات مثل “ناشونال چيوجرافيك“؛ في الحالتين تتشبَّع عينا المتفرج بمشاهدة الأشياء الجديدة اللامعة مثل المارة الذين يتفرسون في فاترينات الملابس على شارع 26 يوليو.

يتخطى “ورد مسموم” هذا النوع من الاستهلاك البصري للمكان، لأنه يسعى لخلق فضاء جديد خاص بالفيلم وخارج الواقع، خاص بحركة الكاميرا المحمولة فوق الكتف وخارج الحي الذي يقع بالفعل بجانب سور مجرى العيون. في أثناء مشاركتي في التحضير للفيلم، أتذكر بدقة اللحظة التي شرح فيها المخرج أحمد فوزي صالح أننا لن ننقل الواقع، ولن نصور المكان على طبيعته، بل سنستوحي من المكان أجزاء مصورة تبتكر مدابغ أخرى، مدابغ موازية للواقع، وهي المدابغ التي تعيش فيها بطلة الفيلم “تحية” العاملة بمراحيض المولات الفاخرة، وأخيها “صقر” العامل بالمدابغ الذي يريد الهجرة إلى إيطاليا، و“أم صقر” العاملة بورشة حياكة الجواكت، و“كروان” الدجال، و“الشيخ” الذي يعاني من مشكلات في التنفس ناتجة عن عمله بورش الدباغة القاتلة.

في محاولات خلق هذا الفضاء، قضيت مع فريق العمل أيام شاقة في شوارع حي المدابغ المطوية المتلوية المتربة، نتمشى بصحبة كاميرا صغيرة تصور المسارات الرئيسية لحركة تحية وصقر داخل مكانهما بالفيلم، في فضاء ينشأ من المدابغ، ولا علاقة له بها في الوقت نفسه، فهذا الفضاء مبروم في متاهات بلا بداية وبلا نهاية، وكأن دهاليز المنطقة الحقيقية تسلسلت بأكملها لتعبر عن استحالة الفرار من جحيم المدابغ، وكأن جميع الشخصيات الناشئة عن هذا الفضاء أصبحت أسيرة المكان الكاتم الخطير، الذي يحبسهم في دوامات الحياة ودوامات حركة الكاميرا تحت عيون المتفرج الثابتة.

لا يكتفي “ورد مسموم” باستعراض المكان الواقعي، بل يبتكر فضاءً جديدًا على الشاشة، ويبرم واقع المدابغ وصناع الفيلم في تجربة سينمائية فريدة من جانبين، الأول يتضح في جرأة تصوير الأماكن التى كان يصعب تصويرها داخل المدينة، والثاني يتضح في العلاقات الجديدة التي أحدثتها التجربة بين أهل المدابغ وصناع الفيلم؛ تلك العلاقات التي اتضحت في فضاء الشاشة المبتكر، الذي نتج عن توجيهات أهالي المنطقة داخل شوارعهم، واستكشاف فريق العمل لخصوصية وقسوة هذه الشوارع. بهذا المنطق يحوي فضاء “ورد مسموم” أكثر من المدابغ وشوارعها؛ يحوي وعي صُنَّاعه ووعي بعض أهل هذه المنطقة بالزمان والمكان الذي يعيشون فيه والذين يريدون تخطيه في ثبات متحرك.


يُعرض “ورد مسموم” لأول مرة في مصر يوم 26 نوفمبر 2018 في المسرح الصغير بالأوبرا، في إطار المسابقة العربية في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ويبدأ أول عرض تجاري يوم 30 نوفمبر بسينما كريم (زاوية) في وسط المدينة.

نشر هذا المقال على موقع مدينة في 25 نوفمبر 2018، وهنا رابط المقال الأصلي